ملا محمد مهدي النراقي

193

جامع الأفكار وناقد الأنظار

وجد « 1 » في ذلك الواقع وجود العالم أيضا وكان متناهيا منقطعا يصدق انّ وجود الواجب أيضا منقطع ، وهذا كوجود الأفلاك فانّها أيضا خارجة عن الزمان ولا ينطبق وجودها عليه . إلّا انّه إذا كان وجودها في الواقع بحيث لو فرض فيه زمان كان متناهيا لصدق تناهيها أيضا . وهذا كما يوجب حدوث العالم يوجب حدوث الواجب أيضا - تعالى عن ذلك علوّا كبيرا ! - . فهذا الاحتمال - أي : التلازم بين الواجب والعالم - مع فرض تناهي العالم احتمال فاسد عند العقل ليس مبنى شيء من الحدوث والقدم ، بل مبنى الحدوث على تناهى العالم وإن استلزم الانفكاك بين الواجب والعالم في الوجود الخارجي وعدم التلازم بينهما ، ومبنى القدم على عدم تناهيه وإن استلزم التلازم والمعية في الوجود بينهما . والسرّ انّ الحكماء والمليين متفقون على أزلية الواجب - تعالى - وقدمه بمعنى دوام وجوده وبقائه في الخارج بحيث لو فرض فيه الزمان كان غير متناه ، فالحكماء قالوا : وجد فيه الزمان فحكموا بعدم تناهى العالم والزمان ، والمليون قالوا لو لم يوجد فيه ولكن بحيث لو وجد فيه لكان غير متناه . فالحكماء حكموا بأزلية وجود الواجب والعالم والمليون حكموا بأزلية وجود الواجب دون العالم ؛ هذا . مع أنّ المطلوب هاهنا انّ مجرّد اثبات تناهي العالم من جانب البداية يستلزم ابطال القدم بالمعنى الّذي اثبته الفلاسفة ، ولا ندّعي انّ مجرّد ذلك يثبت تمام المطلوب الّذي نحن بصدده - وهو ثبوت الانفكاك الواقعي بين الواجب والعالم - ، وصحّة قولنا : كان الواجب موجودا في الخارج ولم يكن العالم ، فانّ ذلك يأتي بيانه مفصّلا ؛ هذا . وممّا يدلّ على تناهي العالم من جانب البداية - بل على حدوثه بعد العدم المحض - اجماع الأنبياء والمليين واتفاق أهل الأديان أجمعين « 2 » ، فانّه قد ثبت بالتواتر القطعي من الأنبياء وأوصيائهم تناهي العالم من جانب البداية وحدوثه بعد العدم المحض والليس الصرف ، بحيث لا يتطرّق إليه شائبة تجوّز وتأويل . والعقل السليم إذا تشبّث بذيل الانصاف واجتنب عن العناد واللجاج ولاحظ انّ جمّا غفيرا من أولى النفوس القادسة وذوي العقول الثاقبة - الّذين لم ينحرفوا / 42 MB / قطّ عن الصراط القويم و

--> ( 1 ) - الأصل : - وجد . ( 2 ) - راجع : رسالة الحدوث ، ص 181 .